حنين..

3 سبتمبر, 2010

أدرك يا حبيبتي..

أنك إلى كلمات العشق.. يحملك الشوق..

كما إلى أعشاشها.. تحن الطيور..

كما إلى مروجها .. تحن الزهور..

لكني أخطها ها هنا.. لتضيع بين السطور..

ابتسامة

1 سبتمبر, 2010

“ابتسامتك لدغة عقرب..

وليست حرقة اللدغة ما يؤلم..

بل هو السم يقتلني..

ذاك الذي في جسدي يسري..”

ليلة

31 أغسطس, 2010

في مكان ما من حولي يرقد فراغ ضيق يرقب شخيري ليملأه، وفي ركن من الصفحات سطور خالية ضامئة تنتظر أن يرويها حبري وكلمات أخطها لأصنع عبارات أخاطب بها السكون..
و أنا شارد أعري سطوح المنازل.. أراقب من مكاني أعمدة النور تنحني بحثا عن شيء ضائع.. وأمامي الطرقات تتمايل و تتشعب ثم تتشابك لتضم البنايات و تنسج رداء المدينة..
سماء ليلتي بلا غيوم، يسكنها قمر جميل يشاركني السهر ويشاطرني الصمت.. ومن حوله النجوم لا تفارقه، تبادله النظرات الخرساء بعد أن ملت حديثه الذي دام قرونا..
أصوات ليلتي خافتة تأتي من بعيد.. حشرجة يائسة تفلت من محرك مثعب.. صفير بائس يتسلل من زقاق مهجور.. طرقات متوثرة تصنعها النوافذ كلما مرت الريح بالجوار.. وهدير يلهث لطائرة متأخرة تبحث في الأرض عن صدر يحتضنها لتنام..
ليلتي كجسدي.. خاملة منهكة تنتظر النور لتتنفس عذوبة الفجر وتتذوق حلاوة الصباح..
ستستيقض الشمس فتموت بعدها ليلتي ..ثم تأتي ليلة أخرى لتؤنسني وترحل.. ليلتي تهوي كقطرة مطر سوداء يمتصها مستنقع حياتي الراكد..ترسم دوائر الأمل على سطحه, فتولد صغيرة ثم تكبر , وفي النهاية تخبو كما عمري يخبو ويتلاشى..
ليست وحدها ليلتي تلك التي تذبل , بل هي حياة كاملة تنطفىء, وما تبقى من أيامي مجرد غفوة احتضار..
احتضار قد لا يطول!..

تزنيت 18 أكتوبر 2004

الضحايا

26 أغسطس, 2010

النوم، الوصفة السحرية التي تكفي رشفة منها لاختصار الزمن.. هكذا فكرت وأنت تتمنى لو تغلق عينيك وتستسلم للنوم، لتفتحهما بعد لحظات وتجد ضوء النهار.. لكنك حتما لن تستمتع بهذا الترف والكرم الحاتمي..

النوم، الوصفة الناذرة التي طردها الأرق.. عيناك ترفضان النوم بإصرار خلال أول ليلة تقضيها في هذا المكان الغريب، بعيدا عن أسرتك ودفء أنفاس إخوتك.. لتجد نفسك فوق سرير علوي بجوار نافذة زجاجية هي صلتك الوحيدة بالعالم الخارجي..

المدرسة الداخلية، الليلة الأولى.. كلمتان مرعبتان بالنسبة لعمرك الذي لم يتجاوز الرابعة عشر بعد. الرعب الطفولي الدفين من الوحدة والظلام.. تحاول أن تتأقلم مع صوت المحركات البشرية من حولك وأنت تدرب أذنيك على تحمل شخير يتناوب عليه زملاء مرقدك طوال الليل.. لكن دورك لن يحين هذه الليلة على ما يبدو..

يجف حلقك وتنزلق قطرة عرق فوق جفنك، فتمد يدك لتمسحها بلطف قبل أن تستقر فوق عينيك المفتوحتين. تزيح الغطاء عن جسدك المتوتر، وعندما تلمس قدماك الأرض تبدأ في البحث عن نعليك بيديك المضطربتين. ثم تتقدم ببطء نحو المرحاض..

صوت مكتوم يصل مسامعك.. تتوقف عن المشي.. تلتفت على يمينك وأنت تتساءل عن مصدر الصوت الذي أرعبك.. ثم تطلق زفرة ارتياح بائسة عندما تميز صوت بكاء ونحيب.. وفي قرارة نفسك تشعر بالأسى والتعاطف مع الفتى الذي لم يتحمل فراق أهله وذويه.. تحاول الاقتراب أكثر لتتعرف على صاحب الصوت.. لكنك حتما ستصطدم بساق السرير الذي يرغمك على إصدار أنة ألم خافتة، ولن تستغرب بالطبع من النحيب الذي ستوقف وقد اكتشف صاحبه اقترابك.. وهكذا تعود متخاذلا إلى المرحاض وقد فشلت مهمتك..

الليلة الثانية، منهكا ترتمي فوق سريرك، لكن معنوياتك تبدو مرتفعة نسبيا وقد  تعرفت على زملاء فصلك ومرقدك، وفي قرارة نفسك تبتسم وبوادر ورود الحبة بدأت تنبت في الجحيم. تفرش غطائك بعناية وتلتقط الورقة وهي تسقط من طيات غطائك. بسرعة تفتحها وبصوت أشبه بالفحيح تقرا:

” آسف إن كنت قد أزعجتك بالأمس.. لكني لا أحب فضولك!.”

تطفأ الأنوار، وتغطي وجهك استعدادا للنوم.. لكن أذنيك تبدآن في تمييز النحيب من صوت الآلات التي تشخر حولك.. عدها تنزل من سريرك بصمت، قدماك العاريتان تمسحان الأرضية الباردة.. لكنك تعرف طريقك جيدا.. الصف الأخير على يمينك، تصل إلى هدفك والنحيب يزداد وضوحا.. تدنو ببطء وكأنك وحش كاسر يستعد للانقضاض على  فريسته..

اليد الخشنة التي تجرك من قميصك تقلب الأدوار فجأة، والصوت الأجش يسألك بثورة: “ماذا تفعل يا ولد؟”

بسرعة تلتفت كلص متلبس، وتشعر بسيل الكلمات يتعثر في حلقك، وصوت أنفاسك المتصارعة يخرج كحشرجة محرك طائرة قديمة.. ثم تدوي الصفعة القوية في أذنيك، وخدك المحمر يحل عقدة لسانك لتتقول بصوت متهدج:” لا شيء!..”

يرمقك الجلاد ـ الذي ستدرك فيما بعد أنه مربيك ـ بنظرات ثاقبة، ويهبط ببصره ليلمح قدميك الحافيتين، ثم يدفعك بقسوة وهو يصرخ: “أنا المسئول عنك هنا!.. ولست أقبل بوجود لص في هذا المكان!”

اتهامه الأخير وعبارته الأخيرة فسرت سبب الصفعة التي جعلتك تعود إلى سريرك، وتلف الغطاء حول جسدك كشرنقة، لتدرك بما لا يدع مجالا للشك أن الغد سيحمل عقابا اشد.. لأن وطاويط الليل ليست أشد من اسود النهار!.

الليلة الثالثة.. تندس تحت غطائك، وتبدأ في استرجاع أحداث يومك الذي لن تنساه.. تتذكر المربي الذي يرمقك بنظرات نارية مخيفة وهو يدنو من أذن رئيسه، ثم يبتسم هذا الأخير ابتسامة لم ترتح لها قط.. وبعدها تستعيد شريط التأنيب الذي أدمى كرامتك ولف أصفاد الاتهام حول عنقك..

تنحدر دموعك فوق خدك، ويغادر نحيبك غطائك.. لكنك حتما قد سمعت أنة الألم التي أطلقها احدهم وهو يقترب من سريرك.. تكتم أنفاسك، وعبر فتحة تصنعها في غطائك تراقب الفضولي الذي لا يزال يرهف سمعه ليحدد مصدرك..

“ماذا تفعل يا ولد؟؟”

كان هذا صراخ المربي وهو يمسك تلابيب الفتى الفضولي المسكين، ثم الصفعة التي تشعرك بالذل والألم!..

وكانت تلك ليلة أخرى مليئة بالشخير والبكاء..

بكاء الضحايا!!…

طموح وراء البحر

26 أغسطس, 2010

“طموح وراء البحر”  هو عنوان  القصة القصيرة التي كتبها رفيقي وصديق عمري “عصام ازيمي”، والتي حصل بفضلها على جائزة أحسن قصة قصيرة.. الجميل في الأمر هو أننا كنا قد شاركنا معا في تلك المسابقة، لنفوز معا في النهاية متفوقين – وبشهادة المدرسين القائمين على المسابقة- على تلاميذ السلك الادبي..

القصة التي شاركت بها بعنون: الضحايا.. وقد فازت هي الأخرى بجائزة أفضل قصة قصيرة..

طموح وراء البحر

كل شيء انتهى واندثر..

كل شيء من حولك تحول إلى هباء..

أحلامك.. طموحاتك..

كلها أوهام تعلقت بها، لتكتشف أخيرا أنك تمسكت بالسراب..

سيارة الشرطة تقطع بك شوارع الخزيرات وسط حفنة من المجرمين.. لصوص.. قطاع طرق.. أو حتى متهمون بالشذوذ الجنسي..

تتجمع مرارتك على شكل غصة في حلقك، تبتلعها في حرقة، وأنت تتذكر البداية..

بداية النهاية.. نهايتك!..

لم تكن البداية هنا في الخزيرات ولا في اسبانيا كلها.. لقد كانت هناك..

في بلدك.. في وطنك..

في بلدتك التي تخليت عنها كما تخلت عنك..

اصطبغ الأفق بحمرة خفيفة، حيث أطلقت الشمس آخر موجات أشعتها كأنها تطلق صرخة احتضارها الأخيرة، قبل أن تخمد توهجها وهي تغوص في مياه البحر العميقة وراء الأفق..

وامتد ظل طويل لعدة أمتار وراء شاب وسيم، وقف متطلعا إلى قرص الشمس المحتضر. ثم تطلع على الجهة الشمالية وسبحت أفكاره لتتجاوز البحر إلى ما وراءه..

إلى هناك حيث قرر أن يذهب..

هناك سيجد كل شيء.. المال.. الوضعية الجيدة.. والعمل.. وهي أشياء يفتقر إليها هنا..

ومن خلفه، سمع صدى خطوات رقيقة تقترب منه في بطء.. التفت بجسده وكيانه كله إلى الوراء، ليطالعه وجه فتاة رقيقة، يتطاير شعرها الناعم مع هبات النسيم..

كانت تنظر إليه نظرات ذات معنى..

عاد على وضعيته الأولى والحزن يعتصر قلبه، في حين اقتربت الفتاة أكثر حتى وقفت بجواره وهي تتطلع إليه بعيون ترقرقت فيها لآلئ صغيرة التمعت تحت أشعة الشمس الواهنة.

مد أنامله ليمسح دموعها الحارة عن وجنتيها وقال:

-اعذريني يا حبيبتي!..ليس الأمر بيدي..

رفعت وجهها نحوه للحظة، ثم اندفعت تحيطه بيديها الرقيقتين وتدفن وجهها في صدره قائلة في انهيار:

-ولكنك تتخلى عني بهذه الطريقة.. وأنا التي أحببتك من كل قلبي..

دفعها برفق إلى الأمام قليلا لتقابله، وقال في حدة ممتزجة باليأس:

-إلى متى؟ أحبنا هو الذي سيطعمنا؟ اهو الذي سيفتح لنا بيتا يضمنا؟اهو الذي سيربي أطفالنا؟ صدقيني! إن قلبي يتقطع حزنا على فراقنا.. ولكنني أعدك.. أعدك أن أعود.. ولكن بعد أن أؤمن مستقبلي.. سأعود!.. سأعود فانتظريني!..

….

دوى صوت صرير عجلات سيارة الشرطة، وعجلاتها تئن من شدة الاحتكاك حيث ضغط السائق المعتوه الفرامل بحدة، غير عابئ بمن يستقلها..انقطعت أفكاره عند هذه النقطة.. وبعد قليل انفتح الباب الخلفي للسيارة، لتطل من خلفه الوجوه الصارمة لرجال الشرطة..

الألم يمزق معصميك من تأثير أساور الحديد التي تكبل يديك خلف ظهرك.. تنهض لتأخذ دورك في صف زملائك.. نعم، لقد كتب عليك ن تكون زميلا لهذه الشرذمة من المجرمين.. زميل رغم أنفك.. تدخلون في صف واحد إلى مخفر الشرطة، وأنتم محاطون بالرجال المسلحين..

تقفون في رواق طويل، وكل ينتظر دوره في التحقيق.. تسكن أنفاسك المتلاحقة مرة أخرى.. وتعود إلى شريط ذكرياتك القريبة..

….

اخترق صوت صفارة الباخرة أذني ذلك الشاب الوسيم وهو قابع وسط البضائع والمشحونات في انتظار إبحار الباخرة..

كان قد قرر أن يكون أذكى من الجميع.. لم يكن يهوى أن يموت غرقا أو تأكله الأسماك الجائعة وهو يخترق البحر بقارب الموت.. لذا اتفق مع احد البحارة على أن يقترب من السفينة ليلة الإبحار.. ثم يختبئ في مستودع البضائع حتى تبحر السفينة.. حينها سيخرج من مكمنه ليتصرف كراكب عادي، وخصوصا مع الملابس الأنيقة التي ارتداها، والتي حملها له البحار إلى داخل السفينة كما أوصاه ليغير بها ملابسه المبتلة، لقد كلفه هذا كثيرا بحق، خصوصا أن البحار كان طماعا جدا، لكن المهم هو نجاح الخطة..

قبع في مكانه قليلا حتى تأكد من إبحار السفينة، ثم خرج من مكمنه ونفض الغبار عن سترته، وتحرك في حذر نحو البوابة.. وما أن فتحها حتى اصطدم بوجه أحد ضباط الباخرة وهو يتطلع إليه في دهشة لم تلبث أن تحولت إلى شك، قبل أن يقول بلغته العربية الركيكة:

ماذا تفعل هنا يا سيدي؟ إنها حجرة البضائع..

قال الشاب في توثر:

آه…. احم.. نعم.. آسف!.. لقد كنت في طريقي إلى حجرتي عندما ضللت الطريق وتوجهت إلى هنا..

لم يكن الجواب مقنعا بما فيه الكفاية بالنسبة إلى الضابط الذي خاصة مع لهجة الشاب المرتبكة، لذا قال في حزم:

-حسنا سأرافقك إلى حجرتك حتى لا تظل في الطريق مرة أخرى!

وهنا سقط قلب الشاب بين قدميه وهو يواجه هذا الفخ الذي نصبه بنفسه لنفسه. حينها، لم يكن أمامه سوى حل وحيد نفده على الفور.. اندفع نحو الضابط قائلا في أسف:

-لقد اضطررتني إلى فعل هذا..

ودفعه بقوة نحو حاجز الباخرة ليتجاوزه بسرعة ويسقط في الماء كالحجر..

إلا أن الشاب لم ينتبه إلى تفصيل مهم، وهو أنه قام بعملية التخلص من هذا الشاهد الذي نسف خطته وسط باخرة مزدحمة بالركاب.. أي أنه رمى الضابط في البحر أمام عشرات الشهود من ركاب وضباط..

وحين انطلقت الشهقات والصيحات المستنكرة من أفواه المحيطين به، علم أنه سقط وفشلت خطته.. تماما..

..

تستيقظ من ذكرياتك وأنت تحس بلكزات بندقية أحد رجالا الشرطة، لتكتشف أن دورك في الاستجواب قد حان..

تتقدم ببطء بخطوات متثاقلة لتقف أمام ضابط أشقر الشعر ذو شارب كث، يرمقك بنظرات نارية.. ثم يقول عبارة ما، بدت لك كمدفع رشاش يطلق مزيجا من حروف الراء والتاء والسين.. ترسم نظرة بلهاء على وجهك تعبيرا عن عدم الفهم.. حينها ينادون شخصا ما ليقوم بالترجمة لك..

يسألك الضابط على لسان المترجم بألفاظ مهذبة كما هو متوقع وتجيب بأول شيء يتبادر إلى ذهنك..

ينتهي بك الأمر ملقى في السجن ليومين آخرين، قبل أن ترحل إلى بلدك.. حيث ستستضاف لثلاثة أيام أخرى في السجن هناك، وتخرج بعد أن تلقيت كمية من الضرب والاهانة لن تتلقاهما حتى وأنت في سجن الخزيرات..

وحينما تفيق من الصدمة.. تبحث عن حبيبتك لتكتشف أنها خطبت، وسوف تتزوج بعد أيام قليلة..

تقف مرة أخرى أمام البحر الذي شهد آلامك ومعاناتك والذي تعتبره صديقك منذ طفولتك.. تتطلع مرة أخرى إلى قرص الشمس الغاربة..

أمواج البحر تداعب قدميك الحافيتين..

تتقدم بخطوات بطيئة نحو بحرك الحبيب..

تبلل المياه ثيابك.. ولكنك تتقدم..

يصل الماء إلى مستوى عنقك.. ولكنك تتقدم..

يتجاوز عمق الماء طول قامتك..

ولكنك تتقدم..

تحس بأنفاسك تنكتم..

ولكنك تتقدم..

وتتقدم.. وتتقدم..و..

عائد إلى نفسي ..

25 أغسطس, 2010

الحافلة تهتز و بدوري رحت أهتز .. كانت الشمس من فوقي كتلة من جحيم, ومن حولي السنابل تتمايل وتبسط بحرا من الذهب.. من الأركان صوت المذياع يسيل ويدندن بلحن قديم يقلق غفوتي ويدغدغ في نفسي ذكزيات بعيدة تحتضر ..

كانت الموسيقى العذبة تملأ أفواه الصمت , والكلمات الحلوة تكلمني.. شعور جميل بدأ يورق في أعماقي و يشاكس في قرارة نفسي وترا خفيا لم يعزف قط. ..يذيب مرارة الوحدة التي عشتها ويحطم جدران اليأس الذي حاصرني دهرا.. شعور غريب هو.. شعور لذيذ ينفض قذارة الحزن التي ظلت من حولي زمنا تفوح برائحة خانقة كريهة و تملأ صفاء أيامي بغيوم سوداء لا تمطر..

خلف النافذة كان الأفق سرابا يتموج .. يطفو ..ويذوب كما جسدي يذوب ويعرق.. ووسط اللوحة العطشى لمحت نساء يلتحفن البياض , يتقوسن تحث أغصان (الأرغان) العملاقة وتجنين الثمار , ومن حولهن صغار الماعز المشاكسة تتعلق بالفروع الشائكة ..تتسلق جدوعا التهمتها تجاعيد الزمن وتتسابق بخفة و مهارة الى القمة..

في تلك اللحظة شعرت بالشوق والحنين يحملاني كما نسيم الليل يحمل الفراشات ليلقي بي وسط دفء الذكريات , وفي أحضان الأمسيات الحارة بين عناق الأ حبة, ووسط أحاديث الرفاق والصحبة.. في قريتي الحبيبة ..حين تهوي الشمس , وتطول الظلال خلف الحيطان , ويمتص الرماد حقول القمح , يولد الليل .. تنتعش البراري و الشرفات والسطوح, وتبدأ ساعات البهجة ليذاب الثعب في أكواب الشاي و النعناع..ينار سواد السماء بأعقاب السجائر , ويحرق النوم في لفافات التبغ , وتملأ جيوب الليل بالسهر واللهو..

حين رحلت كان ظلام الفجر يسد دربي, لكن النورالباهت ما لبت ان غزى الأفق والعصافير راحت تنادي باسمي و تتوسل بقائي.. تجاهلتها و رحلت.. تهت أبحث عن قبر يواري فشلي, لأدفن صدى الماضي وأمحو ملامح الوجوه التي أعرفها..

رحيلي لم يكن هربا بل بحثا عن نفسي, لكنني في ذلك فشلت.. بكل بساطة لأن نفسي ظلت حيث تركها طيشي وكبريائي المتصابي.. ظلت هنا..في قريتي وأنا اليها الآن عائد..

كرز ومكسرات

21 يوليو, 2010

طوقيني زهرة لوز،

ناعسة..

ثم اسقني حبة كرز..

أو حبتين..

قرمشيني فولا سودانيا

أو ترمسا أو حمصا..

اشتهيني

كما تشتهين حبة جوز

أو حبتين..

ثم ازرعيني مرة أخرى

قصيدة شعر أو قصيدة عطر

وانتقمي مني واقتليني في حكاية

أو حكايتين.

ف. تريكستر

ناولني حجرة!

21 يوليو, 2010

-”ناولني حجرة..”

قالاها بلسان واحد.. وفي وقت واحد.

الأول بعد أن كلت يده من رجم العدو، ونفذت ذخيرته التي لم يجد سواها للذود عن عرضه وعن آخر ثغور الوطن، فقالها لرفيقه في النضال..

-”ناولني حجرة..”

غير بعيد عنه، في الجانب الآخر من معبر العار و الذل.. مسطول شرب حجر حشيش بعد آخر.. استوردوه له من الوطن العربي البائس كي ينسى همه الكبير، وأخاه القريب.. الذي يكاد يعدم الحجارة هي الأخرى.

ولكي ينسى.. وينسى.. وينسى … لم ينتظر حتى تحترق الحجرة في شيشته، فاستعجل بأخرى وقال لرفيقه في الغفلة:

-”ناولني حجرة..”

ميم-

نظرية الأسطورة..

16 يوليو, 2010

يقول صديقي أن تحويل قصة – أي قصة كيفما كانت- من مجرد حدث عادي إلى حكاية ممتعة هو نوع من الإبداع.. وهذه الملكة لا يتمتع بها كل الناس..  أما نظرية الأسطورة فتقول أن حدثا حقيقيا يمكن أن يتحول إلى أسطورة “حقيقية”  بعد أن يمر على لسان مجموعة من ال “مبدعين”.. هؤلاء يستأنسون بالنص الأصلي فيضيف كل منهم القليل لما قيل من أجل إنتاج نص “آخر” لا علاقة له بالنص الأصلي..

ثم يصمت صديقي زمنا ويضيف أنني البطل في نظرية الأسطورة هذه! لأنني وبكل بساطة لا أحتاج للمرور عبر المراحل السالفة الذكر.. بل تتحول الأحداث وبتلقائية إلى أسطورة بمجرد أن أرويها.. المشكلة أنه ليس الوحيد الذي لاحظ هذا للأسف!!.. حسنا، لا أستطيع أن أنفي الأمر لأني فعلا أتعمد أن أفعل أحيانا، القصص العادية مملة وبعض الإضافات والبهارات لن تضر أحدا لكن الأمر سرعان ما سيتحول إلى عادة قبيحة حقا.. وهي عادة يجب أن تتغير قبل أن أفقد مصداقيتي تماما!..

أخبرني هذا الصديق بأنه ولد يوم التاسع والعشرين من شعبان أي ليلة الفاتح من رمضان – ذكاء خارق كما ترون – والأمر “جميل” بالفعل ويستحق بعض التأمل.. “الجميل” في الأمر هو أن بعض الأحداث تتحول بتلقائية إلى أسطورة دون تدخل مني.. أن تولد ليلة الفاتح من رمضان لهو شيء رائع بالفعل بل هو حدث أسطوري على رأي صديقي!!..

ثم تناسيت الأمر كالعادة إلى أن عثرت على موضوع في أحد المنتديات.. الموضوع يدعوك للحديث عن يومك الأول في مرحلة جديدة من حياتك وعن ذاك الإحساس الذي يصاحبك حينها.. واختار صاحب الموضوع كمثال: اليوم الأول في المدرسة أو الكلية أو الجامعة..

وهذا ما جعلني أتذكر يومي الأول في الكلية، وهو حدث يستحق أن يسجل كحدث تاريخي ولكني نسيته تماما!!.. وأنا في العادة لا أنسى أشياء كهذه أبدا، بل أملأ الدنيا صراخا وأخبر الجميع وبالتفاصيل المملة فقط لأصنع تلك القصة “الأسطورة” المليئة بالمتعة!..

كان يوما مشمسا حارا كما ولا شك تعرفون، وكارثيا بالمعنى الحرفي لكلمة كارثة وهذا شيء ستعرفونه فيما بعد.. لن أتحدث هنا عن مشقة الاستيقاظ المبكر والقيام برحلة التسعين كيلومترا في المقعد الخلفي رفقة ثلاث نساء من الوزن “الثقيل”..  والحصول على سيارة أجرة بعدها ودفع المبلغ الخرافي بمعايير تلك الأيام.. ثم التأخر في الوصول إلى الكلية والانتظار ثلاث ساعات كاملة لحين حضور الموظف المسئول عن تسلم طلبات الالتحاق.. ثم البحث عن الصور الشمسية – لازلت أجهل سر حبي لهذه التسمية!.. – والطوابع البريدية التي ولابد أن تضيع منك إحداها!..  وبعدها يأتي دور ملأ الاستمارات التي لا تستطيع أن تفهم منها أي شيء.. حسنا.. لن أتحدث عن كل هذا وليس هذا ما سيصنع من يومي الأول في الكلية أسطورة على رأي صديقي العزيز..

التفصيل الوحيد الذي سيضع حكايتي هذه في خانة الأساطير التي تستحق أن يتغنى بها المرء.. هو أن هذا اليوم يوافق الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001

..

فنجان الصمت..

21 مايو, 2010

اليوم قرر أن يرتدي ابتسامته الأنيقة، نزع عنه ابتسامة العمل الصفراء المهترئة ووقف أمام المرآة.. راقه الأمر، تذكر الابتسامة التي كان يرتديها في صغره.. وعد نفسه: “لن ينزع ابتسامته هذه المرة!!”..

جلس في المقهى وطلب فنجانا من الصمت، وضع النادل جريدة متسخة على طاولته.. لم يلمسها، خشي أن تلوت ابتسامته فطلب منه أن يحملها بعيدا.. لوح النادل بمنديل اعتذاره وأخذها..

ارتشف صمته، لكن الطعم لم يرقه!.. الناس في الشارع يلتحفون الكسل الصباحي.. على يمينه جلس رجلان يدخنان الكلام، طلبا كوبين من المرح.. قبالته تجلس فتاة جميلة، الآن فقط انتبه إليها.. هي أيضا قررت أن ترتدي ابتسامتها الملونة.. طلبت –مثله- فنجانا من الصمت، لكنها أضافت قطعتين من الفرح!..

راقبها وهي ترتشف صمتها الصباحي، ابتسامتها الحلوة جعلته ينسى مذاق صمته.. ابتسامة بسيطة بلا زينة ولا حلي..  التفتت ناحيته.. فاجأته، تقاطعت نظراتهما الرمادية للحظة..

حطت كرة ريش على الهامش الصغير الذي يفصل طاولتيهما وأنقدت ارتباكه.. تحولت نظراتهما إلى كرة الريش الملونة.. نطت باتجاهه، ترددت ثم نطت باتجاهها.. انحنى ليستدرجها.. قال لنفسه:” إنها تحب ألوان ابتسامته!..” لكن كرة الريش لم تحفل به ونطت ناحيتها.. كانت تحمل قطعة فرح في راحتها، فركتها برفق وحولتها إلى فتافيت صغيرة ألقت بها على الأرض.. تلقفت كرة الريش بعضها وطارت..

جرع كوب الهزيمة وزفر بعمق، تبادلا نظرة بيضاء هذه المرة.. تردد لوهلة ثم حمل فنجانه وقام ناحيتها.. بيده الحرة تفقد قطع الكلام في جيبه.. هو يملك القليل ولا يعرف أي قطعة يجب أن يخرج!..

وقف أمامها.. من جيبه أخرج مفاتيح التلعثم خطأ.. ضحكت فأضافت لبسمتها ألوانا ساحرة أخرى زادتها حلاوة.. أعاد المفاتيح وسحب تحية صباحية مرتبكة.. وضعها على الطاولة جوار فنجانه وانتظر..

احتضنت التحية بكفها، مسحت عنها ما علق بها من ارتباك ثم ردتها.. أعادها إلى جيبه راضيا وأدرك أنها أكثر دفئا وحرارة الآن..

جلس قبالتها أخيرا.. تبادلا نظرة شفافة.. انتظر أن تفتح حقيبة يدها وتقول شيئا لكنها لم تفعل، بحث عن قطعة أخرى في جيبه.. تحسس قطعة اعتذار خشنة وهم ليسحبها لكنها أوقته بإشارة من يدها..

التقطت قطعة فرح وأذابتها في فنجان صمته..